قراءة لرواية قشتمر لنجيب محفوظ

 



حقًا لا أعرف ماذا أكتب، ولا كيف أكتب. ما المقدمة؟ وما الذي أريد قوله؟ وأين يبدأ المتن؟ وكيف ألخّص هذا الاختلاط في المشاعر وهذا التردد في الأحاسيس؟ هل أكتب ملخصًا لقصة الرواية وحكايتها أم أقول إنها ككثير من أعمال نجيب محفوظ، تجعلني- مهما اختلفت مع آرائه السياسية- عاجزًا عن مقاومة التماهي مع كتاباته الإنسانية ، ومع قدرته العجيبة على أن يجعلك تشرح حياتك وتقرأها من جديد؟


 ولعلي لم أجد نفسي في رواية كما وجدتها في قشتمر. لقد لمست شيئًا غريبًا في داخلي، وجاءت في وقت كنت أتساءل فيه عن الأسئلة نفسها التي يطرحها شخوصها عن العمر والماضي والصداقة، عن الأحلام الضائعة والخيبات والانتصارات.


جاءت هذه الرواية في وقت بدأت فيه شطرا جديدا من حياتي العملية، جعلني أعيد حساباتي وأنظر إلى خمسة وثلاثين عاما من العمر مرت سريعا. أين ذهبت الأحلام الكبرى والصغرى؟ وأين ذهب ذلك الحالم الصغير الذي حلم يومًا بالكتابة والإخراج والتمثيل، وحلم بالبحث التاريخي والتأليف، ثم حلم بعد ذلك بالسمو في مراتب العمل المهني؟ وهذا لا يعني أن الحياة خلت من الانتصارات، فالزواج والحب ونعمة الأطفال ورضا الوالدين، وما جاء معها من أحلام جديدة، كلها انتصارات تتجلى في رونق آخر، وربما في معنى أكثر عمقًا مما كنا نتصوره في الصغر. لكنها الحياة، لا تمنحنا كل ما حلمنا به، ولا تحرمنا في المقابل من أفراح لم نكن نحلم بها أصلًا. إنها ببساطة دعوة للتأمل في الحياة، في الآمال والأحلام والمآلات، وفي التغير في الحياة الذي لا يكف عن مرافقتنا.


تحكي «قشتمر»، آخر روايات الأديب العظيم نجيب محفوظ، قصة مجموعة من الرجال، اختلفت طبقاتهم الاجتماعية ومستوياتهم وطموحاتهم، وجمعتهم الصداقة منذ الطفولة، كما جمعهم مقهى قشتمر، ذلك الملاذ الذي يعودون إليه للتناجي والتلاقي والألفة. يعيش الأبطال تحولات مصر الكبرى على امتداد عقود طويلة، من ثورة 1919 إلى ثورة يوليو 1952 وما بعدها، ويشهدون التغيرات السياسية والثقافية والاجتماعية، بل وحتى العمرانية التي يمر بها حي العباسية في القاهرة.


لكن السياسة ليست وحدها ما يشغل محفوظ فهو يحكي قبل كل شيء حكايات هؤلاء الرجال الشخصية، وصراعاتهم مع الحياة والعمل ومع الوحدة و الحب و الدين و العلاقة مع الآباء والأبناء ومع النجاح والإخفاق، ومع الزمن الذي يمضي بهم جميعًا دون استئذان. 


وعلى الرغم من الحضور السياسي والتاريخي، فإن الرواية في عمقها، أو على الأقل كما قرأتها أنا، تأمل في الصداقة العميقة، والأحلام الضائعة، والعمر الطويل. إنها دعوة للنظر إلى الماضي، وإلى ما فعلته بنا السنوات، وإلى ما بقي منا بعد كل تلك التحولات. وهي بذلك لا تؤرخ لمصر الحديثة بقدر ما تدرس الإنسان نفسه ، الإنسان المجرد من زمانه ومكانه، في طموحه وضعفه، وفي انتصاراته وهزائمه، وفي محاولته المستمرة لأن يجد معنى لما عاشه.


والحقيقة أن الكلمات تعجزني. أفشل في حصر مشاعري، وفي وصف الكيفية التي أثّرت بها هذه الرواية في نفسي. وربما كانت هذه الكلمات المتعثرة، وهذا الاختلاط في الأفكار والمشاعر، أصدق تعبير عن أثرها. لقد جعلتني أضحك في أحيان كثيرة، ودمعت عيناي، ولا أخجل من الاعتراف بذلك، عند نهايتها. رأيت نفسي في شخصياتها، في الساعي وراء المجد والثقافة، وفي الطامح إلى النجاح العملي والمالي، وفي المتردد بين أحلامه وواقعه، وفي تقلبات الشخوص بين مراحل العمر المختلفة. رأيت فيها شيئًا من نفسي كما كنت، وشيئًا مما أصبحت عليه، وربما شيئًا مما سأكون عليه يومًا. ولعل هذا هو سر عظمة نجيب محفوظ، أن يكتب عن رجال عاشوا في العباسية قبل عقود طويلة، فتقرأ حكايتهم وأنت في مكان وزمان آخرين، ثم تكتشف، على نحو غريب، أنه يكتب عنك أنت. وربما لهذا كله لا أعرف كيف أكتب عن قشتمر لأنني كلما حاولت الكتابة عنها، وجدتني أكتب عن نفسي.

تقيمي الشخصي: ١٠/١٠ 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة لرواية خان الخليلي لنجيب محفوظ

قراءة لرواية ظل الريح لكارلوس زافون

قراءة للمجموعة القصصية أكابر لميخائيل نعيمة