المشاركات

قراءة في رواية «التوت المر» لمحمد العروسي المطوي

صورة
  عن الصراع مع الاستعمار، وعن القابلية للاستعمار، عن الاغتراب والهجرة، عن الفقر والظلم والعجز، وأخيرًا عن الحب والبراءة والتعاون الاجتماعي والرغبة في التغيير؛ في رواية «التوت المر» يقدم محمد العروسي المطوي قصة إنسانية غاية في الروعة، تجمع كل هذه الثيمات من خلال شخوص شديدة الإنسانية والواقعية. أبطال الرواية ليسوا قادة ولا ثوارًا ولا مجاهدين، بل مجموعة من الشباب الذين قرروا، في لحظة زمنية مفصلية من تاريخ بلادهم، أن يساهموا بشيء من التغيير، ولو كان صغيرًا، من خلال إنشاء جمعية لمواجهة آفة «التكروري» – أو الحشيشة – التي انتشرت في تونس في ظل الاستعمار الفرنسي. والمفارقة المؤلمة أن سلطة الاستعمار التي كانت تحارب هذه الآفة في بلادها، غضّت الطرف عن انتشارها في مستعمراتها، بل وقمعت من حاول مواجهتها أو رفع صوته ضدها. تحكي الرواية قصة شاب تونسي يدعى عبدالله، تبدأ حكايته حين يوقعه أصدقاؤه، من باب المزاح، في تجربة الحشيش، ليكتشف بنفسه إلى أي مدى يمكن لهذه الآفة أن تبتذل الإنسان وتسلبه إرادته وكرامته. ومن هذه التجربة يقرر أن يتصدى لها مع مجموعة من أصدقائه، في محاولة تبدو صغيرة أمام واقع ضخم ومعقد...

قراءة في رواية الكرنك لنجيب محفوظ

صورة
  بعد أكثر من خمسةٍ وعشرين عملًا قرأتها لنجيب محفوظ، ما بين الرواية والقصة القصيرة، أجدني – وللمرة الأولى – أمام نصٍّ لا يستهويني على مستوى الفكرة والموضوع، لا بسبب ضعفٍ في أدواته الفنية، بل بسبب ما انطوى عليه من مباشرةٍ أضرت بعمق التجربة، وأفقدت العمل كثيرًا من توهجه المعتاد. فرواية الكرنك ، التي كُتبت ونُشرت في أعقاب وفاة جمال عبد الناصر، تنشغل بقضية «زُوّار الليل»؛ أي ممارسات الأجهزة الأمنية من اعتقالٍ وتعذيبٍ وتغييبٍ قسري، وهي قضية لا يمكن إنكارها تاريخيًا، غير أنها – في رأيي – عولجت في هذا النص ضمن مناخٍ سياسي وثقافي سعى، بعد رحيل عبد الناصر، إلى محاكمة عصرٍ كامل، لا تفكيك ظواهره بعينٍ نقدية متزنة. تدور أحداث الرواية حول مجموعة من الشبان يرتادون مقهًى متواضعًا في أحد أحياء القاهرة يُعرف بـ«مقهى الكرنك». ويقوم السرد على راوٍ بلا اسم، لا يؤدي دورًا فاعلًا في تشكيل الحدث بقدر ما يكتفي بتسجيل ما يراه ويسمعه داخل المقهى، والإنصات إلى اعترافات رواده وصاحبته عن تجاربهم القاسية في المعتقلات. يقسّم نجيب محفوظ الرواية إلى فصول تحمل أسماء شخصياتها: قرنفلة، صاحبة المقهى والراقصة الس...

قراءة في رواية الوشم لعبدالرحمن الربيعي

صورة
  كعنوانها تمامًا، تحفر رواية الوشم شخوصها وحواراتها وعبثية أقدارها في قلب القارئ كجرح لا يندمل. كثيرون يتساءلون: لماذا نقرأ الرواية؟ ولماذا نُصرّ على الأدب في عالم لا يُنصف سوى السرعة والضجيج؟ ربما لأن الذين يسألون لم يقرؤوا نجيب محفوظ، أو توفيق الحكيم، أو غسان كنفاني، أو حنّا مينه… ولأنهم – منذ اليوم – لو قرأوا عبدالرحمن الربيعي لأدركوا أن الأدب ليس ترفًا بل ضرورة للعيش، وفهم الذات، ورؤية الخراب قبل وقوعه . أعادتني الوشم إلى تلك اللحظات الثقيلة التي تلت انهيار أحلام الربيع العربي، إلى الفراغ والخيبة والحزن الذي اعترى جيلًا حلم بالتغيير، فوجد نفسه في المعتقلات والمؤامرات والحروب. إنها مرثيّة حقيقية لجيلٍ صعد إلى قمة الأمل، قبل أن يُلقى به في قاع المأساة. إنها أيضًا رواية عن اغتراب المثقف حين يموت الحلم، وعن تلك الهوّة التي تفصل بين ما تمنّيناه وما وجدناه. تحكي الرواية سيرة كريم الناصري، الناشط الحزبي الذي يخرج من سجون ما بعد ثورة 1957 ليجد نفسه غريبًا في وطنه، منفيًّا داخله، منسحقًا تحت تتابع الانقلابات وضياع المبادئ وتحول الأصدقاء. يعيش كريم في عالمٍ لم يعد يعترف به، ولا بوعيه، و...

قراءة في رواية لا أحد ينام في الإسكندرية لإبراهيم عبدالمجيد

صورة
  لا يحتاج القارئ إلا إلى إتمام بضع صفحات من رواية إبراهيم عبدالمجيد ليدرك أنه أمام عمل أدبي عظيم استحق مكانه في قائمة أفضل مائة رواية عربية. فمن افتتاحيته الرائعة التي يصوّر فيها قرار هتلر غزو بولندا في مشهد درامي جميل، يكون بطله هتلر نفسه، الى انتقاليته السلسلة إلى قرية في صعيد مصر حيث يعيش أبطال الرواية ، أناس بسطاء يواجهون أزماتهم الخاصة، غير مدركين كيف أن قرارًا يُتخذ في قصر ٍعلى أحد الجبال الألمانية سيعصف بحياتهم ومصائرهم إلى الأبد. تحكي الرواية قصة مجد الدين، شاب مصري فلاح من إحدى القرى، تحمله الأقدار هو وعائلته الصغيرة إلى الهجرة نحو الإسكندرية بسبب ثأر قديم يُتهم فيه ظلمًا. يصل مجد الدين إلى المدينة في الليلة نفسها التي تندلع فيها شرارة الحرب العالمية الثانية، وهناك يعيش مع عائلته محنة الحرب ، لتتحول الإسكندرية ـ تلك المدينة التي سيتعلق بها لاحقًا ـ إلى محور للنار والجحيم، ساحة تتصارع فيها القوى الكبرى على أرض البسطاء الذين يستغلهم الجميع، المهاجمون والمدافعون على حد سواء . بعد وصوله المدينة ينغمس مجد الدين بين الناس البسطاء في رحلة طويلة من الشقاء والفقر، ويتعرّف إل...

قراءة في الحروب الصليبية كما رآها العرب لأمين معلوف

صورة
يقول أحد الفلاسفة إن التاريخ إذا أعاد نفسه كان في المرّة الأولى مأساة، وفي الثانية مهزلة.   ومن يقرأ الحروب الصليبية من منظور عربي يدرك أننا نعيش اليوم إعادة المؤامرة نفسها، لكن في نسخة أكثر سخرية؛ فكما استطاعت جيوش قليلة العدد السيطرة على المشرق لقرنين كاملين، تسيطر اليوم قوى صغيرة على حاضر ومستقبل أمّة يفوق تعدادها الخمسمائة مليون، في مشهد يُجسّد عجزًا تاريخيًا لم نتجاوز ظلاله بعد .   ي هدف معلوف إلى تفكيك الخطاب الغربي الرومانسي الذي صوّر الحملات الصليبية على أنها حرب مقدسة قادها فرسان نبلاء لتحقيق “المعجزة الإلهية”. وما على المرء إلا أن يزور متحفًا أوروبيًا ليرى الكم الهائل من اللوحات والمنحوتات التي تمجّد هذه المرحلة بشاعرية تقترب من القداسة. على النقيض، يستعيد معلوف المشهد كما رآه العرب: سلسلة من المجازر الوحشية التي بدأت في نيقية وأنطاكية مرورًا بالمعرّة، التي بلغ فيها القتل حدًّا دفع المؤرخين الغربيين أنفسهم للاعتراف بأكل الناس لحم بعضهم من شدة الجوع، وصولًا إلى القدس حيث ذُبح أكثر من سبعين ألفًا. وفي الجهة المقابلة، يسجّل التاريخ صورة مغايرة تمامًا لطريقة العرب في است...

قراءة في رواية "نداء البراري" لجاك لندن

صورة
  منذ مشاهدتي للمسلسل الوثائقي الرائع "الغرب" للمخرج الأمريكي الشهير كين بيرنز، الذي تناول الاستعمار الأمريكي للغرب المجهول، وقصص حمى الذهب والجلود، وحكايات الطمع والسطوة والاستعلاء وصراع الإنسان مع الطبيعة، ظلّ موضوع "روّاد الحدود" من أكثر الموضوعات التي أثارت اهتمامي وفضولي حول الطبيعة الإنسانية. لذلك، كان من الطبيعي أن تزداد جاذبية رواية نداء البراري في نظري، بوصفها إحدى كلاسيكيات الأدب الأمريكي التي تناولت هذه الروح المبكرة للإنسان في مواجهة البرية. تحكي الرواية قصة الكلب المنزلي "باك" ، الذي يُختطف من حياة الدعة والراحة في مزرعة أحد القضاة في كاليفورنيا ، ليُقاد إلى الشمال الكندي القارس خلال نهاية القرن التاسع عشر، في زمن حمى الذهب التي اجتاحت المنطقة وضاعفت الحاجة إلى الكلاب القوية لجرّ العربات وسط الجليد. ينتقل باك من سيدٍ إلى آخر، ومن عملٍ إلى آخر: من موظفي البريد المحترفين إلى مجموعة من الهواة الطامعين في الثراء السريع. وفي هذه الرحلة القاسية، يتحول باك من كلب مدلّل إلى قائدٍ متوحّش لا يتورّع عن القتل في سبيل البقاء والسيطرة. من خلال هذه الح...

قراءة لرواية قنديل ام هاشم ليحيى حقي

صورة
  هناك كتبٌ أدبيةٌ تشعر معها أنك تعيش الصراعات النفسية ذاتها التي تعيشها شخصياتها، فتجد نفسك تتحرك مع أبطالها، وتتماهى مع أحداثها، وكأنها ترسم ملامح حياتك أنت. وهذه الرواية القصيرة كانت كذلك؛ إذ وجدتني أتوحّد مع بطَلِها الذي خاض الصراع نفسه الذي عشته بعد العودة من رحلة الدراسة: ذلك الصراع بين الحداثة والأصالة، بين الماضي الذي يسكنك والمستقبل الذي يناديك.   والعجيب أن هذه الرواية منحتني الشعور وكأنني أجلس على كرسي الطبيب النفسي، لا على مقعد القارئ؛ أسترجع ماضيّ بكل ثِقله وأسئلته، وأعيد تفكيك هويتي ودوافعي، كأن الراوي يطلب مني أن أواجه نفسي، لا أن أتابع حكاية شخص آخر. كانت الرواية، في لحظات كثيرة، أقرب إلى جلسة اعتراف داخلي، أبحث فيها عن إجاباتٍ لأسئلةٍ كنت أظنها مطموسة تحت طبقاتٍ من التجربة والزمن. أما على المستوى العام، فليس من المبالغة القول إن هذه الرواية تُعدّ من أقدم – وربما أروع – ما تناول الصراع بين الأصالة والحداثة في المشرق. إنها، بلا شك، تقف جنبًا إلى جنب مع أعظم الأعمال التي عالجت الفكرة ذاتها، مثل أولاد حارتنا وموسم الهجرة إلى الشمال. تحكي الرواية قصة شاب مصري...