قراءة في رواية «التوت المر» لمحمد العروسي المطوي
عن الصراع مع الاستعمار، وعن القابلية للاستعمار، عن الاغتراب والهجرة، عن الفقر والظلم والعجز، وأخيرًا عن الحب والبراءة والتعاون الاجتماعي والرغبة في التغيير؛ في رواية «التوت المر» يقدم محمد العروسي المطوي قصة إنسانية غاية في الروعة، تجمع كل هذه الثيمات من خلال شخوص شديدة الإنسانية والواقعية.
أبطال الرواية ليسوا قادة ولا ثوارًا ولا مجاهدين، بل مجموعة من الشباب الذين قرروا، في لحظة زمنية مفصلية من تاريخ بلادهم، أن يساهموا بشيء من التغيير، ولو كان صغيرًا، من خلال إنشاء جمعية لمواجهة آفة «التكروري» – أو الحشيشة – التي انتشرت في تونس في ظل الاستعمار الفرنسي. والمفارقة المؤلمة أن سلطة الاستعمار التي كانت تحارب هذه الآفة في بلادها، غضّت الطرف عن انتشارها في مستعمراتها، بل وقمعت من حاول مواجهتها أو رفع صوته ضدها.
تحكي الرواية قصة شاب تونسي يدعى عبدالله، تبدأ حكايته حين يوقعه أصدقاؤه، من باب المزاح، في تجربة الحشيش، ليكتشف بنفسه إلى أي مدى يمكن لهذه الآفة أن تبتذل الإنسان وتسلبه إرادته وكرامته. ومن هذه التجربة يقرر أن يتصدى لها مع مجموعة من أصدقائه، في محاولة تبدو صغيرة أمام واقع ضخم ومعقد، لكنها تحمل في جوهرها معنى المقاومة.
وإلى جانب هذه القضية، يعيش عبدالله قصة حب مع ابنة مهاجر ليبي من ذوي الإعاقة، أُبعد عن ليبيا بسبب جهاده. ومن خلال هذه الأسرة نتعرف على حكاية أخرى غاية في الألم؛ حكاية الاغتراب والهجرة، وقسوة الاقتلاع من الوطن، وسطوة الاستعمار التي لا تتوقف عند احتلال الأرض، بل تمتد إلى مصائر الناس وحياتهم وأحلامهم.
وهي حكاية أراها مهمة لجيل جديد نسي شيئًا من تاريخ أجداده، حتى بات البعض منه ينظر إلى زمن الاستعمار بشيء من الحنين، أو يقارنه بالدول العربية الحديثة. ومهما كانت علات هذه الدول وأخطاؤها، فإن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نجمّل تاريخًا قام على القمع ونهب الموارد وانتشار الجهل والمرض وحرمان الشعوب من تقرير مصيرها. فذاكرة الشعوب حين تضعف قد تتحول المأساة القديمة فيها، بعد أجيال، إلى صورة رومانسية لم تكن موجودة أصلًا.
وفي قصة حبه يواجه عبدالله عائلته، بل والمجتمع من حوله، دفاعًا عن حب خالص لا يرى في الإنسان أصله أو طبقته أو إعاقته، وإنما يراه كما هو. وهنا يصبح الحب نفسه صورة أخرى من صور المقاومة؛ مقاومة الأعراف القاسية والأحكام المسبقة والحدود التي يصنعها المجتمع بين البشر.
أما على الجانب الفني، فقد كُتبت الرواية بلغة بسيطة ولكنها جميلة، دون تكلف أو استعراض لغوي. وربما كان أجمل ما فيها هو بساطة موضوعها وشخصياتها؛ فهي ليست قصة الأبطال الكبار الذين يغيرون مسار التاريخ، ولا قصة الزعماء الذين تمتلئ بهم كتب التاريخ، وإنما قصة البسطاء الذين يدركون أن التغيير يبدأ بالإنسان نفسه، ثم بمن حوله.
ولعل هنا تكمن قيمة «التوت المر» الحقيقية؛ فالمطوي لا يقدم الاستعمار بوصفه جنديًا أجنبيًا يحتل الأرض فحسب، وإنما يكشف آثاره حين تتسلل إلى المجتمع: في الفقر، وفي المخدر، وفي الخوف، وفي العجز، وفي اغتراب الإنسان عن وطنه وعن ذاته. وفي المقابل لا يجعل المقاومة بندقية فقط؛ فقد تكون المقاومة جمعية صغيرة، أو موقفًا أخلاقيًا، أو شابًا يرفض أن يصمت، أو حبًا يتحدى نظرة مجتمع كامل.
تقع الرواية في ١٤٠ صفحة ،بين يدي الطبعة الاولى منشورات زخارف ٢٠٢٢م نشرت الرواية لاول مره عام ١٩٦٧م .
تقيمي الشخصي: ٨.٥/١٠

تعليقات
إرسال تعليق